محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

248

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ثم قال له : إذا اخضرّ هذا العرجون قبلت توبتك . وأراد السائح بذلك أن يؤيسه من التوبة لعظم ذنبه . فأخذ الرجل العرجون وهو يطمع في التوبة ويعزم ، فتاب ، وجعل يعبد اللّه زمانا ، ويدعو حتى اخضرّ ذلك العرجون بإذن اللّه تعالى وقدرته . وأغرب من هذا وأعجب ما خرّجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ( كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعبد أهل الأرض ، فدلّ على راهب ، فأتاه فقال : قتلت تسعة وتسعين نفسا ، فهل لي من توبة ؟ ! فقال : لا ! ! فقتله فكمل به المائة ، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض ، فدلّ على رجل عالم فقال : إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ فقال : نعم ، ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ ! انطلق إلى أرض كذا ، وكذا ؛ فإنّ بها أناسا يعبدون اللّه عزّ وجلّ فاعبد اللّه معهم ولا ترجع إلى أرضك ؛ فإنها أرض سوء ، فانطلق حتى إذا أتى نصف الطريق أتاه [ ملك ] الموت ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ؛ فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى اللّه تعالى . وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قطّ ! ! فأتاهم ملك في صورة آدميّ ، فجعله حكما بينهم ، فقال : قيسوا ما بين الأرضين ، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له ، فقاسوه ، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد ، فقبضته ملائكة الرحمة ) « 1 » . قال قتادة « 2 » ، قال الحسن : ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت نأي بصدره . وقال عيسى بن دينار « 3 » : « كان يقال : ما وفق اللّه عبدا لعمل إلّا وهو يريد أن يقبله منه ، ولا وفّق اللّه عبدا لنزوع عن ذنب إلّا وهو يريد أن يغفره له » . وقد ذكر القاضي يونس بن عبد اللّه المعروف ب « ابن الصفار » « 4 » رحمه اللّه في كتاب

--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 8 / 853 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 4 / 101 ) . ( 2 ) انظر ترجمته في الأعلام 5 / 189 . ( 3 ) عيسى بن دينار بن واقد الغافقي ( توفي سنة 212 ه - 827 م ) أبو عبد اللّه فقيه الأندلس في عصره ، وأحد علمائها المشهورين . أصله من طليطلة ، سكن قرطبة ، وقام برحلة في طلب الحديث وعاد ، فكانت الفتيا تدور عليه بالأندلس لا يتقدمه أحد ، وكان ورعا عابدا . توفي بطليطلة . ( الأعلام 5 / 102 ، وبغية الملتمس 389 ) . ( 4 ) يونس بن عبد اللّه بن محمد بن مغيث ( 338 ، 429 ه - 950 - 1038 م ) أبو الوليد المعروف بابن الصفار ، قاضي أندلسي من أهل قرطبة ، من متصوفة العلماء بالحديث ، كان قاضيا ببطليوس -